أبي منصور الماتريدي

191

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

هذا « 1 » - والله أعلم - ليعلم الناس ما لحق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بدعاء هؤلاء السفهاء إلى دين الله الذين لم يبالوا هلاك أنفسهم ؛ لشدة بغضهم الحق ، وجرأتهم على الله ، وما يتحمل منهم من العظيم . وقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ . يحتمل قوله : وَأَنْتَ فِيهِمْ أي : في جملة المؤمنين أنه لا يعذب أحدا في الدنيا ما دام هو فيهم ، وما دام مؤمن فيهم بقوله : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، أي : يؤمنون ، وهو كما ذكر أنه أرسله رحمة بقوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] ، ومن رحمته ألا يعذب أحدا من أمته في الدنيا ، إنما يؤخر ذلك إلى يوم التناد بقوله : إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ . . . [ إبراهيم : 42 ] وقوله : وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [ القمر : 46 ] . ويحتمل أن يكون قوله : وَأَنْتَ فِيهِمْ : في أهل مكة خاصة أنه لا يعذبهم ما دام هو فيهم ، وما دام فيهم أحد من المسلمين ؛ من نحو النساء والذراري ؛ كقوله : وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ . . . الآية [ الفتح : 25 ] ، أي : لا نعذبهم وأنت يا محمد فيهم ، أي : بين أظهرهم حتى نخرجك من بينهم ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، أي : يصلون . وقيل « 2 » : يؤمنون ؛ وكذلك روي عن ابن عباس « 3 » - رضي الله عنه - ولكن يعذبهم تعذيب القتال والجهاد ، ولا يعذبهم تعذيب استئصال على ما أهلك سائر الأمم . ثم إن المعتزلة تعلقت بظاهر قوله - تعالى - : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، أي سيؤمنون ؛ أي : لا يعذبهم ما دام يعلم أن فيهم أحدا يؤمن في آخر عمره ، أو من قولهم ألا يجوز لله أن يهلك أحدا إذا كان في علمه أنه سيؤمن في آخر عمره ؛ لقولهم في الأصلح : إن الله لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدين ؛ فعلى ذلك تأولوا ظاهر هذه الآية أنه لا يعذبهم وهم يستغفرون ، أي : سيؤمنون . لكن لو كان كما قالوا ، لكان لا يجوز الجهاد معهم أبدا ، ويسقط الأمر بالقتال ؛ إذ لعل فيهم من يسلم ، فإذا أمره بالجهاد والقتال معهم ، دل أن ذلك ليس ما توهموا ، والله أعلم .

--> ( 1 ) في ب : وهذا ذكر . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 236 ) ( 16029 ) عن الضحاك ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 331 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد والنحاس وأبي الشيخ عن الضحاك . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 325 ) ( 16027 ) .